سيد محمد طنطاوي
279
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الإمام الرازي : والصحيح أن هذا القتل كان غير القتل الذي وقع في وقت ولادة موسى ، لأن القتل في ذلك الوقت كان بسبب أن المنجمين قد أخبروا فرعون بولادة عدو له يظهر عليه ، فأمر بقتل الأبناء في ذلك الوقت . وأما في هذا الوقت . فموسى - عليه السلام - كان قد جاءه وأظهر المعجزات . فعند ذلك أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه ، لئلا ينشئوا على دين موسى ، فيقوى بهم . وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات . فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) * توهين لشأن الكافرين في كل زمان ومكان ، وتشجيع للمؤمنين على أن يسيروا في طريق الحق دون أن يرهبهم وعد أو وعيد . فإن النصر سيكون في النهاية لهم . أي : وما كيد الكافرين ومكرهم وعدوانهم ، إلا مصيره إلى الضلال والضياع والبطلان . يقال : ضل فلان الطريق إذا ضاع منه الرشد . والتبست عليه السبل . وصار تائها لا يعرف له طريقا يوصله إلى ما يريد . ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان فجور فرعون وبغيه فقال : * ( وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى . . ) * والجملة الكريمة معطوفة على قوله : * ( قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَه ) * وجملة * ( وما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) * اعتراضية ، جيء بها مسارعة لبيان خسرانهم وضلالهم . أي : وقال فرعون لحاشيته ومستشاريه وخاصته : اتركوني لأقتل موسى - عليه السلام - وأتخلص منه ومن أقواله التي فيها ما فيها من الضرر بي وبكم . ويبدو من أسلوب الآية الكريمة أن اتجاه فرعون لقتل موسى كان يجد معارضة مستشاريه . لأنهم يرون أن قتله لا ينهى المتاعب ، بل قد يزيدها اشتعالا لأن عامة الناس سيفهمون أن قتل موسى كان بسبب أنه على الحق ، فتثور ثائرتهم لقتله ، أو لأنهم كانوا يخافون أن قتله سيؤدي إلى نزول العذاب بهم ، غضبا من رب موسى ، ولعل بعضهم كان يعتقد أن موسى على حق ولكن الخوف منعه من الجهر بذلك ، أو لأنهم كانوا يرون أن قتل موسى سيؤدي إلى تفرغ فرعون لهم ، وهم لا يريدون هذا التفرغ ، لأنه يؤدى إلى ضياع الكثير من منافعهم . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى ) * كانوا إذا هم بقتله كفّوه بقولهم : ليس موسى بالذي تخافه . وهو أقل من ذلك وأضعف وما هو إلا بعض السحرة . . وإنك إذا
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 302 .